الرئيسيةأخبارندوات ومؤتمراتتقارير ودراساتأهدافنا مواقع مفيدةمن نحناتصل بنا

عقوبة الإعدام في تونس وإمكانيات إلغائها

د. عمر البوبكري(*)

تعد عقوبة الإعدام مأساة إنسانية بكل ما للعبارة من معنى. إذ لا يوجد ما هو أقسى على الإنسان من أن تنتزع منه حياته، وأن يكون ذلك باسم تحقيق العدالة. وهي بالإضافة إلى ذلك مأساة الإنسانية التي لم تتوفق، إلى الآن، في التخلص من عقيدة الثأر البدائية بالرغم مما أنجزه الإنسان من تقدم حضاري وثقافي وفكري.

إن المتأمل في التاريخ الحديث لعقوبة الإعدام في البلاد التونسية يلمس مظاهر التعسف في هذا الصدد. فقد كان تطبيقها خلال حكم البايات على نطاق واسع. بدون أي تناسب، في كثير من الأحيان، بين الجرائم المرتكبة والعقوبة التي كانت تنفذ بقسوة شديدة مع التنكيل بالمحكوم عليه. وقد كانت طرق الإعدام مختلفة حسب الأشخاص. فإذا كان الشخص تركياً، يتم خنقه في ساحة القصبة (الساحة الرئيسية بالدينة القديمة) بوساطة حبل مطلي بالصابون. وعادة ما ينفذ الإعدام أشخاص من المسيحيين أو من اليونانيين الموجودين بتونس الذين يكرهون على ذلك. أما بالنسبة للمحكوم عليهم بالإعدام من العرب، فالطريقة المعتمدة للتنفيذ هي الشنق في مكان الجريمة. بينما يقطع رأس اليهودي بالسيف. ولعل أبشع الطرق المعمول بها في هذا الصدد كانت من نصيب النساء. فالمرأة المحكوم عليها بالإعدام ينكل بها بالطواف في مدينة تونس على ظهر حمار مع إدارة وجهها إلى الخلف. ثم، وبمشهد يذكرنا بطريقة قتل البنات الصغار في العصر الجاهلي، يرمى بها في بحيرة تونس بعد وضعها في كيس مملوء بالحجارة، ويتولى رجلان مراقبة العملية والإشراف عليها حتى التأكد من لفظ المحكوم عليها أنفاسها ( ).

من القضايا الشهيرة التي يكمن ذكرها، هنالك قضية " باتو سفاس " التي انطلقت أحداثها في سنة 1857 بواقعة بسيطة تتمثل في حصول شجار بين صبي مسلم بادر إلى استفزاز رجل يهودي هو، "باتو سفاس"، بشتم اليهود. فرد الأخير بشتم مماثل للمسلمين. حينها اندفع عامة الناس مطالبين بقتله. وهو ما تم فعلاً بإذن من الباي الذي أحاله على القاضي الشرعي المالكي لينزل عليه أقصى عقوبة في يوم 19 جويلية 1857 وأعدم بعد ذلك بأربعة أيام. وقد تركت هذه القضية آثاراً سلبية في نفوس اليهود المقيمين بالبلاد التونسية منذ عصور قديمة( ). كما بثت الخوف لدى الأجانب. وهو ما حمل القناصلة الأوروبيين الموجودين في تونس آنذك على الضغط على الباي لإدخال بعض الإصلاحات القانونية والقضائية الأساسية. فاضطر إلى إصدار "عهد الأمان" في أيلول 1857. وهو نوع من إعلان الحقوق الذي نص خاصة على الحرية الدينية وضمان الدولة التونسية لأمان الرعايا لجميع الأجانب. كما صدر قانون الجنايات والأحكام العرفية في سنة 1861، الذي لطف من حدة القوانين الجنائية القديمة. حيث حدد الفصل 209 طريقة وحيدة لتنفيذ الإعدام، وهي قطع الرأس بدون تعذيب ومن غير تمثيل، ومنع الطواف بالمحكوم عليه في الأسواق. لكن تم تعليق العمل بهذه القوانين على إثر اندلاع ثورة شعبية في سنة 1864، تعرف باسم ثورة علي بن غذاهم. فكانت العودة إلى القوانين القديمة مجدداً، إلى أن صدرت المجلة الجزائية بموجب الأمر العلي المؤرخ في 9 جويلية 1913( ).

ومثلما هو الشأن بالنسبة لبقية البلاد العربية، فإن عقوبة الإعدام ما زال معمولاً بها في تونس. حيث أوردها الفصل 5 (فقرة أ جديدة) من المجلة الجزائية على رأس العقوبات الأصلية( ). كما احتلت الموقع نفسه في مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية بموجب الفصل 62( ). لكن هذه العقوبة ليست قدراً محتوماً؛ لأن إلغاؤها ممكن، وهو أكثر من ذلك ضروري.

- عقوبة الإعدام في القانون التونسي

يتميز القانون التونسي بتوسعه في نطاق عقوبة الإعدام. أما تطبيقها وتنفيذها فهو يخضع لإجراءات دقيقة.

1- اتساع نطاق العقوبة

1-1- تتميز السياسة التشريعية بالتوسع في قائمة الجرائم المستوجبة لعقوبة الإعدام. وبالرغم من مرور ما يناهز قرن على صدور المجلة الجزائية، فإن هذه القائمة لم تتقلص بل تأكدت العقوبة في التعديلات الأخيرة للمجلة( ). حيث تضمنت 21 جريمة معاقباً عليها بالإعدام، تتعلق بأمن الدولة الخارجي والداخلي، والقتل العمد، والإعتداء على موظف عمومي، والإغتصاب المصاحب باستعمال العنف.

والملاحظ أن القائمة الأصلية تدعمت مع تنقيحات لاحقة للمجلة الجزائية. يذكر من ذلك النتقيح المدرج بالأمر المؤرخ في 10 جانفي 1957 الذي وسع من نطاق عقوبة الإعدام بالنسبة لجريمة الخيانة ضد الوطن المرتكبة من طرف المواطنين العاديين التي كانت تطبق في حالة وحيدة حسب الفصل 62 القديم. فأصبحت تطبق في 8 حالات بعد التنقيح. وقد صدر هذا التنقيح بعد فترة قليلة من استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي في 20 مارس 1956 وفي اليوم نفسه الذي صدرت فيه مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية التي نصت على العقوبة نفسها بالنسبة لجريمة الخيانة المرتكبة من طرف العسكريين.

كما جاءت عقوبة الإعدام باعتبارها رد فعل متسرعاً أحيانا على أحداث معينة. يذكر من ذلك تنقيح الفصل 126 للمجلة الجزائية بموجب القانون عدد 9 لسنة 1985 المؤرخ في 7 آذار 1985، الذي نص على عقوبة الإعدام في صورة الإعتداء بالعنف المرافق باستعمال السلاح أو التهديد به على قاض أثناء الجلسة. ويعود هذا التنقيح إلى حادثة اعتداء على قاض من طرف متهمين موقوفين في مقر المحكمة الإبتدائية بتونس أثناء الجلسة يوم 11 فيفري 1985. وأمام الضجة الكبرى التي أحدثتها القضية لدى الرأي العام، بادر رئيس الدولة بتقديم مشروع قانون بعد 5 أيام من تاريخ هذه الحادثة؛ أي في يوم 16 فيفري 1985. وتمت مناقشة المشروع وإقراره من طرف البرلمان في 25 فيفري 1985؛ أي في ظرف عشرة أيام من تاريخ تقديمه. وكانت الغاية من هذا التنقيح المستعجل والخطير هي تأكيد هيبة الدولة وسلطتها أمام الرأي العام، مثلما يتضح من الأعمال التحضيرية لهذا القانون. حيث جاء في التقرير البرلماني أثناء جلسة التصويت أن "هذه الأحكام الجديدة مظهر لتجسيد إرادة الدولة في حماية السلطة القضائية من كل من تحدثه نفسه بالنيل من هيبتها التي هي هيبة الدولة وركيزة أساسية من ركائزها"( ).

1-2- كما جاءت مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية بعدد هام من الجرائم المعاقب عليها بالإعدام تصل إلى الثلاثين، وهي موزعة على عشرين فصلاً من بينها الفصول 62 و69-1° و70-4° و74 و79 و99-1° و115 و117.

1-3- يضاف إلى ذلك بعض النصوص الخاصة التي نصت على عقوبة الإعدام. ويذكر من ذلك الفصلان 93 و94 من المجلة التأديبية والجزائية البحرية، ويتعلقان بجريمتي الاستيلاء على سفينة بالعنف من كل ربان أو ضابط وتسليم السفينة إلى العدو من طرف أي عضو طاقم سفينة( ).

كما نص على العقوبة نفسها كذلك، الفصل 53-2° من القانون عدد 74 لسنة 1998، المؤرخ في 19 أوت 1998 المتعلق بالسكك الحديدية( ). الذي يعاقب بالإعدام كل من تعمد تخريب السكة الحديدية أو أحدث خللاً بها أو وضع أشياء أو قام بأي فعل من شأنه إخراج الأرتال عن السكة، وتسبب ذلك في وفاة شخص. والملاحظ أن هذا القانون عوض الأمر العلي المؤرخ في 16 تشرين الأول 1897 المتعلق بحراسة السكك الحديدية( )، لكنه أبقى على العقوبة نفسها التي نص عليها الفصل 98 من هذا الأمر بالرغم من مرور قرن كامل على صدوره.

كما صدرت بعض القوانين الجديدة المكرسة لعقوبة الإعدام في حين أنها لم ترد في النص الأصلي. وهو ما يعكس تطوراً سلبياً في السياسة التشريعية التي تتجه نحو التشدد. ويذكر في هذا المجال جريمة تعمد تعريض الملاحة أو سلامة طيران طائرة للخطر الناجم عنه الوفاة التي كانت تعاقب بالسجن مدى الحياة بموجب النص الأصلي للفصل 150-3° من مجلة الطيران المدني( ). ثم أصبحت العقوبة المستحقة للجريمة نفسها هي الإعدام بموجب التنقيح المدرج بالقانون عدد 84 لسنة 2005 والمؤرخ في 15 أوت 2005( ). وهو تشدد ناجم عن تأثر واضح باعتداءات 11 أيلول 2001 بالولايات المتحدة الأمريكية.

ومن جهة أخرى سحبت عقوبة الإعدام المنصوص عليها بالمجلة الجزائية على بعض الجرائم التي جاءت بها نصوص خاصة. ويذكر في الصدد على وجه الخصوص القانون المثير للجدل المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، الذي شدد في العقوبات، وأحال فصله العاشر على المجلة الجزائية، وهو ما يفضي إلى تطبيق عقوبة الإعدام على الجرائم الخاضعة لهذا القانون. ويضاف إلى ذلك جريمة أخذ كامل العضو الضروري للحياة من الأحياء لزرعه ولو برضاهم والناجم عنه الموت التي أخضعها الفصل 17 من القانون عدد 22 لسنة 1991 لأحكام القتل العمد الواردة بالفصل 201 من المجلة الجزائية( ).

يبين هذا العرض العام للتشريع التونسي مدى اتساع نطاق العمل بعقوبة الإعدام. كما أن الحركة التوسعية لم تتوقف على عكس ما يأمله مطالبي الإلغاء. بقي أن نعرف الآن كيفية تطبيق هذه العقوبة.

2- تطبيق عقوبة الإعدام

2-1- تتجه الإشارة إلى القانون التونسي الذي أحاط تطبيق عقوبة الإعدام بعدة شروط أصلية وإجرائية خاصة. أما بالنسبة للجانب الأول، فهو يتعلق بالحالات التي يمنع فيها الحكم بالإعدام. ومن أهمها فقدان العقل حسب الفصل 38 من المجلة الجزائية. كما لا يجوز الحكم بالإعدام على الطفل الذي لم يبلغ 13 سنة كاملة بموجب الفصل نفسه. علماً أن السن الدنيا المعمول بها سابقاً هي 7 سنوات التي تم الترفيع فيها بموجب أمر 22 جوان 1950( ). كما أقرت مجلة حماية الطفل المبدأ نفسه في الفصل 68( ). ويوافق ذلك تحديد المسؤولية الجزائية التي لا تقوم بالنسبة لمن هو دون 13 سنة في القانون التونسي. كما أنه بتعديل الفصل 43 من المجلة الجزائية بالقانون عدد 55 لسنة 1982، المؤرخ في 4 جوان 1982، تم استبدال عقوبة الإعدام بالسجن لمدة عشر سنوات بالنسبة للطفل الذي يتراوح عمره بين 13 سنة و18 سنة.

ويضاف إلى موانع تطبيق عقوبة الإعدام حالتا الدفاع الشرعي والإكراه المنصوص عليهما بالفصول 39 و40 و41 من المجلة الجزائية.

2-2- أما بالنسبة للجانب الثاني فهو يتعلق بالشروط الإجرائية لعقوبة الإعدام. ويحاول المشرع التونسي توفير ضمانات المحاكمة العادلة الواجب احترامها بالنسبة لكل القضايا بغض النظر عن طبيعة العقوبة المحكوم بها.

وتكفل مجلة الإجراءات الجزائية في هذا الإطار حق الدفاع للمتهم مثلما يستنتج من الفصول 70 و71 و72( ). وكرس الفصل 141 وجوبية المحامي بالنسبة للجنايات عامة. كما تلزم المحكمة بالقيام بالتحقيقات الضرورية للتأكد من مدى قيام المسؤولية أو عدمه حسب الفصلين 47 و50. وأصبحت المجلة تكفل حق التقاضي على درجتين بالنسبة للجنايات بعد إحداث دائرة جنائية بكل محكمة ابتدائية بموجب القانون عدد 43 لسنة 2000 المؤرخ في 17 أفريل 2000( ). بينما كانت القضية تعود، في السابق، إلى محكمة الاستئناف ابتدائياً ونهائياً ولا يقبل حكمها إلا الطعن أمام محكمة التعقيب التي هي محكمة قانون، ولا تنظر بالتالي في الوقائع.

بالإضافة لذلك، تخضع القضايا التي يمكن المعاقبة فيها بالإعدام إلى إجراءات خصوصية ترمي لاتخاذ أقصى الاحتياطات قبل إصدار الحكم. حيث نص الفصل 262-3° من مجلة الإجراءات الجزائية على اختصار أجل الطعن بالتعقيب ضد الحكم القاضي بالإعدام إلى 5 أيام من تاريخ صدوره بينما يكون 60 يوماً بالنسبة لبقية الأحكام. كما أن مطلب تعقيب حكم الإعدام له أولوية النظر على بقية المطالب حسب الفصل 258- فقرة أخيرة من المجلة نفسها. ويشترط الفصل 162 منها أن لا يحكم بالإعدام إلا بأغلبية مدعمة تتمثل في أربعة أصوات من أعضاء المحكمة الخمسة. بينما يصدر الحكم في بقية الحالات بأغلبية 3 أصوات. لكن الأغلبية المدعمة لا تصل إلى حد الإجماع الذي كان من شأنه إنقاذ بعض الأرواح البشرية.

2-3- لقد ساعدت مجمل هذه القواعد القانونية على بروز توجه عام لدى المحاكم التونسية يميل نحو تجنب عقوبة الإعدام إلا في الحالات القصوى( ). لكن ذلك لم يمنع من حصول بعض التطبيقات القضائية المتضاربة التي تؤكد أنه مهما كانت الاحتياطات التي يمكن أن تتخذ فهي لا تحول دون الأخطاء القضائية؛ لأن الخطأ إنساني بكل بساطة ولا مناص منه في كل الأحوال. ويمكن الإقتصار على عرض بعض الأحكام القضائية الحديثة، على سبيل الذكر، التي من شأنها أن تبين التذبذب القضائي في الحكم بالإعدام.

تفيد وقائع القضية الأولى بأن المتهم، وهو فنان شعبي مشهور، تناول كمية هامة من الحبوب المخدرة وحول تحت مفعول التخدير وجهة طفل عمره 5 سنوات ونقله إلى مقبرة حيث فاحشه ثم قتله بطريقة بشعة وقام بدفنه. فحكمت محكمة الاستئناف بتونس بالإعدام، وأيدت محكمة التعقيب ذلك في قرارها المؤرخ في 18 ماي 2001، بالرغم من أن حيثيات الحكم المطعون فيه ورد فيها بالحرف الواحد أن ما صدر عن المتهم هو "سلوك غير طبيعي ولا يمكن أن يقوم به آدمي". أما القضية الثانية فتتعلق بجريمة قتل ارتكبها شاب في حق امرأة إعلامية مشهورة كانت تعمل مديرة للإذاعة الوطنية التونسية. وتتلخص وقائعها في أن الضحية استعانت بالمتهم الذي يعمل لحاماً صحياً للقيام ببعض الإصلاحات بشقتها حيث كانت تعيش بمفردها. فسولت له نفسه مواقعة المرأة التي قاومت رغبته فقتلها بطريقة بشعة. فقضت محكمة التعقيب بإقرار حكم الإعدام في 22 جانفي 2004، لكن دون أن تكلف نفسها عناء الرد المفصل على طعون الدفاع بل اكتفت برد مقتضب جدا. وهو ما لا يتناسب مع طبيعة العقوبة المحكوم بها.

أما القضية الأخيرة، فهي تبرز المفارقة مع القضيتين السابقتين بالرغم من أن المحكمة قضت بالسجن في حين أن المتهمة كانت مهددة بحكم الإعدام. وتفيد الوقائع بأن امرأة قامت بقتل مطلقها حرقاً بالنار حين تناهى إلى علمها بأنه سيتزوج بامرأة ثانية كانت تعمل معينة منزلية لديها. فقضت محكمة التعقيب في يوم 26 جويلية 1995 بسجنها لمدة 10 سنوات معللة حكمها بأن القتل لم يكن " بدافع الانتقام وإنما بدافع الحب" (هكذا)( ).

تبين هذه العينات القضائية بأن العنصر المشترك للقضيتين الأوليتين يكمن في الضجة الإعلامية المصاحبة لهما التي أثرت في الرأي العام. والسبب في ذلك لا يعود إلى بشاعة الجريمتين بقدر ما يعود إلى شهرة الجاني، في القضية الأولى وشهرة الضحية في القضية الثانية. ولم تكن المحكمة بمنأى عن تأثير الضجة الإعلامية المصاحبة للجريمتين التي ألقت بضلالها، بشكل واضح، على سير العادلة. فلو كانت الأمور خالية من تلك المؤثرات لكان بإمكان المحكمة تفادي حكم الإعدام نظراً لوجود بعض المعطيات التي من شأنها أن تخفف من الحكم في كلتا القضيتين؛ بخاصة أن القضية الثالثة تبين بوضوح كيف يمكن للمحكمة في قضية عادية أن تتفادى الإعدام بالرغم من توافر أركان القتل العمد بأكثر قوة هنا من الحالتين السابقتين.

3- تنفيذ عقوبة الإعدام

ينفذ حكم الإعدام الصادر عن محاكم الحق العام بالشنق حسب الفصل 7 من المجلة الجزائية. أما الحكم الصادر عن المحاكم العسكرية فينفذ رمياً بالرصاص حسب الفصل 45 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية. وفي كلتا الحالتين لا ينفذ الحكم إلا بعد صيرورته باتاً، أي حينما يستوفي جميع طرق الطعن القانونية العادية. كما يجب موافقة رئيس الدولة الذي بإمكانه ممارسة حق العفو الذي يتمتع به بموجب الفصل 48-3° من دستور غرة جوان 1959.

ويمنع القانون تنفيذ الحكم في حق المرأة الحامل حتى تضع حملها (الفصل 9 من المجلة الجزائية و46 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية). لكن الوضع لا يحول دون الإعدام. كما لا يوجد في القانون التونسي ما يمنع تنفيذ العقوبة في حق كبار السن والمختل عقلياً بعد المحاكمة.

ويمنع تنفيذ الإعدام أيضاً في أيام الأعياد التي يعرفها الفصل 292 من مجلة المرافعات المدنية والتجارية بالنسبة للحكم الصادر عن محاكم الحق العام( ). وهي بالنسبة للمسلمين الجمعة وبداية من يوم 27 من شهر رمضان إلى اليوم الثالث من عيد الفطر، ويوما عيد الإضحى، ويوم المولد النبوي الشريف، واليوم الموالي له. وبالنسبة لليهود هي يوم السبت ويوما روشانة وكبور، واليومان الأولين من سوكوت (عيد الحويدة) ويوم بوريم (عيد استير) واليومان الأولين واليومان الأخيران من بيسح (عيد الفطيرة) ويوما سبعوت (عيد العنصرة). أما بالنسبة للمسيحيين فهي يوم الأحد والخميس من عيد الصعود واليوم الخامس عشر من أوت (عيد النزول) ويوم غرة نوفمبر ويوم 25 ديسمبر (عيد الميلاد).

والملاحظ أن هذه القاعدة المبدئية لا تمنع المحكمة من الإذن بتنفيذ حكم الإعدام في أحد أيام الأعياد المذكورة. بينما جاء هذا المنع مطلقا في الفصل 45 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية الذي أضاف إلى قائمة الأيام التي يحضر فيها التنفيذ الأعياد الوطنية.

إن جميع هذه القواعد والإجراءات التي من شأنها تلطيف عقوبة الإعدام لا تغني عن ضرورة إلغائها. فما هي إمكانيات تحقيق هذه الغاية؟

- إمكانيات إلغاء عقوبة الإعدام

بالرغم من تضارب السياسة العقابية المطبقة إلى الآن، فإن ذلك لا يمنع من التفاؤل بإمكانية إلغاء عقوبة الإعدام من النظام الجزائي التونسي. وهو ما يمكن استكشافه من خلال ثلاثة مستويات مختلفة.

1- المعطيات القانونية المساعدة

1-1- تتمثل المعطيات القانونية المساعدة في تعزيز مكانة حقوق الإنسان في دستور غرة جوان 1959 الذي جعل منها واحدة من المرجعيات المؤسسة للنظام الجمهوري. حيث نص في توطئته على أن "النظام الجمهوري خير كفيل لحقوق الإنسان". كما كرس النظرة الكونية والشمولية لحقوق الإنسان بموجب التعديل الدستوري المدرج في غرة جوان 2002( ). حيث نص الفصل 5-1° (جديد) على أن الجمهورية التونسية تضمن "الحريات الأساسية وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها وتكاملها وترابطها". كما نص الفصل نفسه في فقرته الثانية على أن الجمهورية التونسية تقوم على "مبادئ دولة القانون... وتعمل من أجل كرامة الإنسان وتنمية شخصيته". لكن جميع هذه المبادئ الدستورية لم تنص صراحة على ضمان الحق في الحياة.

1-2- ومن جهة أخرى، تعززت مكانة حقوق الإنسان بمصادقة الدولة التونسية على أهم المواثيق والمعاهدات الدولية ذات الصلة. ويذكر منها خاصة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي ينص صراحة على الحق في الحياة (الفصل 6-1°)( ). واتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب( ) واتفاقية حقوق الطفل التي تنص على حق الطفل في الحياة (الفصل 6-1°)( ). ويضاف إلى ذلك الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الذي يضمن حق الحياة بفصله الرابع( ).

بالرغم من أهمية جميع هذه النصوص، فإن الدولة التونسية لم تقم إلى حد اللحظة بالخطوة الحاسمة المتمثلة في المصادقة على البرتوكول الاختياري المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام المؤرخ في 15 ديسمبر 1989. ومن المفروض أن تساعد المعطيات القانونية المذكورة على القيام بهذه الخطوة التي هي نتيجة ضرورية لتبني المقاربة الكونية والشمولية لحقوق الإنسان. لكن ذلك لم يحصل، إلى حد الآن، واكتفت السلطات بتعليق العمل بعقوبة العقوبة.

2- تعليق العمل بعقوبة الإعدام

لقد كان العمل بعقوبة الإعدام متفاوتاً حسب الفترات التاريخية. حيث بلغ العدد الجملي للمعدمين منذ الاستقلال (20 جوان 1956) إلى الآن 135 شخصاً. ونفذت أغلب الأحكام فيما بين 1956 و1987؛ أي خلال حكم الرئيس السابق الحبيب بورقيبة. وكانت بعض السنوات دموية بشكل خاص. إذ نفذ 20 حكماً بالإعدام في سنة 1980 و14 حكماً مماثلاً في سنة 1986. وكانت أغلب القضايا ذات خلفية سياسية. أما الفترة اللاحقة فقد عرفت تراجعاً ملحوظاً لتنفيذ أحكام الإعدام الذي حصل في 6 حالات، إلى حد الآن، ويرجع آخر تنفيذ إلى سنة 1992( ).

يلاحظ من ذلك وجود إرادة واضحة في تعليق عقوبة الإعدام. وهو إلتزام قطعه رئيس الدولة على نفسه، وأعلن عنه في مناسبتين: كانت الأولى في خطابه الذي ألقاه في شهر جانفي من سنة 1989. لكن نفذ حكم الإعدام بالرغم من ذلك في صيف 1991 ضد محكوم عليه في قضية حق عام. وفسر البعض ذلك بضغط الرأي العام بسبب الضجة التي أحدثتها جرائم قتل بشعة ارتكبها شخص صار يعرف "بسفاح نابل" ضد عدة أطفال( ). ثم تكرر الأمر نفسه في سنة 1992. غير أن القضايا المحكوم فيها كانت ذات خلفية سياسية هذه المرة. أما المناسبة الثانية فكانت في خطاب ألقاه الرئيس في يوم 7 نوفمبر 1996 في ذكرى توليه للسلطة( ).
ما من شك فإن توقيف العمل بالعقوبة هو أمر إيجابي، في حد ذاته، في ظل نظام قانوني يكرس عقوبة الإعدام؛ لأن ذلك يمكن من إنقاذ الأرواح البشرية. وهو يعبر، بالإضافة إلى ذلك، عن وجود إرادة سياسية راغبة في التخلي عن هذه العقوبة. لكن التعليق له حدوده في الواقع، وهو لا يحول دون التراجع عنه مثلما حصل في سنتي 1991 و1992. وقد يحصل ذلك عند أول قضية يتعرض فيها رئيس الدولة لضغط رأي عام متعطش للإنتقام. من هنا يبرز الدور الذي يمكن للمجتمع المدني الاضطلاع به.

الندوة الإقليمية لعقوبة الإعدام عمان 2-3 يوليو 2007