|
ما
تزال عقوبات الإعدام تطال مئات الجرائم بل وأيضاً
القضايا المرتبطة بالحرب والسياسة والرأي والنشر
وحرية المعتقد في عدد من البلدان النامية ومنها
اليمن، وكانت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم
المتحدة قد دعت في وقت سابق الى إعادة النظر في
مسألة عقوبة الإعدام، غير أن اليمن لم تهتم بهذه
الدعوة.
وأجد هنا فرصة لأعرض على نحو سريع بعضاً من خلاصة
تجربتي في سلك القضاء، حيث عملت قرابة الست سنوات
رئيساً لأكثر من محكمة ابتدائية، وعشت فترة أكبر
في الوسط القضائي، وشاهدت عن كثب وقائع عديدة،
وأطلعت على أخرى. وخلصت من هذه التجربة أو
المتابعة إلى موقف مناهض لعقوبة الإعدام لأسباب
كثيرة، أذكر بعضها على سبيل المثل لا الحصر:
1- عدم استقلالية القضاء في اليمن ومواجهة القاضي
لضغوط شديدة من قبل بعض رؤسائه أو النافذين في
السلطة.
2- وجود حالات تم فيها تنفيذ حكم الإعدام بعد فرض
محاكمات فورية ومستعجلة لم تستغرق فيها إجراءات
المحاكمة الابتدائية والاستئنافية والعليا ومصادقة
رئيس الجمهورية أكثر من ثمانية وأربعين ساعة..
وبعضها يتم تنفيذ أحكام الإعدام فيها بعد أن يكون
المتهم قد قضى مدة سجن يصل بعضها إلى 25 سنة، وهي
مدة حكم مؤبد في بعض الأنظمة القضائية..
3- هيمنة السلطة التنفيذية على إدارة وسلطة
القضاء، وابتزازها للقضاة من خلال التحكم بحقوقهم
ومستحقاتهم المالية، والتحكم بتعيينهم ونقلهم،
وانتدابهم ... وقد عشت بعضاً من مرارة هذه
التجربة..
4- إجراء محاكمات صورية لبعض السجناء الذين تم
تنفيذ حكم الإعدام بهم من قبل محاكم خاصة سلكت في
التقاضي إجراءات استثنائية ألحقت بالعدالة بالغ
الضرر، وأفضت إلى أحكام إعدام جائرة. وبعضها لم
يتم تنفيذها مثل ذلك الحكم الصادر على القاضي يحيى
حسين الديلمي في عام 2005م الذي جاء على أثر
محاكمة لا تفي بالمعايير الدولية للمحاكمة
العادلة.
5- الفساد الذي يعوث ويلوث جهاز القضاء اليمني،
ويتسرطن في مفاصله وهياكله يجعله أبعد ما يكون عن
تحقيق العدالة ...
6- عدم احتراف بل وتخلف أداء أجهزة الأمن والبحث
والتحري في الحصول على الأدلة وملاحقة الجناة،
واستخدامها لوسائل تعذيب بشعة لانتزاع الاعترافات
من المتهمين تكون، في الغالب، غير حقيقية أو غير
مطابقة للواقع، الأمر الذي يضع العدالة والعقوبة
والضمير محل شك وريبة..
7- صدور أحكام إعدام على بعض من ارتكبوا جرائم قتل
وهم دون سن الثامنة عشرة من العمر، الأمر الذي
يكشف عن خلل في سير الإجراءات يكون ثمنه حياة
إنسان قاصر إذ كان قاصراً دون مسؤولية جنائية
كاملة حال اقترافه الجريمة ..
8- وقوع بعض القضاة في شراك شهود الزور، ووجود
أخطاء في تقارير الطب الشرعي، ومهارة بعض
المحامين، وفهلوتهم، وتلاعبهم بثغرات القانون قد
يؤدي إلى حكم بالإعدام على إنسان لا يستحقه.
9- الحكم بالإعدام على مصابين بالصمم لم يتلقوا
أية مساعدة من قبل أحد من خبراء لغة الإشارة أثناء
عملية التقاضي..
10- حرمان بعض المتهمين من المحاكمة العادلة،
وغياب التمثيل القانوني الملائم لهم أثناء التحقيق
والمحاكمة.
ولا بأس أن أعرض هنا بعض مزايا إلغاء عقوبة
الإعدام في نظر معارضي عقوبة الإعدام، مع الإشارة
إلى أن النزعة الإنسانية المناوئة لعقوبة الإعدام
تزداد كل يوم، ويزداد أنصار الاتجاه الداعي لإلغاء
هذه العقوبة، ويتسع نفوذه وتأثيرة عالمياً، حيث
ارتفع عدد الدول التي ألغت تطبيق عقوبة الإعدام من
16 دولة في عام 1977 إلى 120 دولة ألغت عقوبة
الإعدام قانوناً وممارسة حتى الآن.
وكانت لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة قد أصدرت
قراراً تبنته وشاركت في تقديمه (75) دولة يدعو
جميع الدول التي مازالت قوانينها تنص على تلك
العقوبة، إلى إيقاف تطبيقها عملياً.. كما أن تنفيذ
عقوبات الإعدام في العالم شهد انخفاضاً ملحوظاً
ومستمراً..
والداعون لإلغاء عقوبة الإعدام نجدهم يبنون دعوتهم
هذه على أسباب واعتبارات جمة، نذكر منها الآتي:
1- إفلات مجرم من عقوبة أفضل من إعدام بريء،
والدراسات تشير إلى عدد من الأبرياء يعدمون أو
تصدر ضدهم أحكام بالإعدام، وتقول منظمة العفو
الدولية: ما دامت عقوبة الإعدام قائمة؛ فإنه لا
يمكن التخلص من خطر إعدام الأبرياء. وتشير بعض
الدراسات إلى أن 3% من الذين يعدمون هم أبرياء،
وإنما يعدمون بسبب حصول خطأ ما .. ولأن عقوبة
الإعدام غير قابلة للرجوع عنها في حالة الخطأ أو
التعسف فضلاً عن أنها تحرم الشخص حرماناً مؤبداً
من تقديم أدلة قد تخفف العقوبة أو تعيد تكييف
الجُرم لاحقاً ليصبح جرماً عقابه دون الإعدام، إلى
جانب احتمالية أن يتغير الحال، ويصير الجرم الذي
كان يعاقب عليه بالإعدام فعلاً جائزاً أو مباحاً
لا يوجد مأخذ ولا تثريب عليه..
2- تبين الدراسات أن عقوبة الإعدام غير رادعة أكثر
من السجن مدى الحياة، وتؤكد الإحصائيات أنه لم
تظهر أي زيادة في معدل الجريمة عند الدول التي
ألغت عقوبة الإعدام، كما أن نسبة الجرائم التي
يعاقب عليها بالإعدام، ليست أقل في الدول التي
تطبق العقوبة مقارنة مع الدول التي لا تطبق
العقوبة..
3- عقوبة الإعدام، كما يراها معارضوها، مختلفة لا
تتوافق مع قيم التحضر، ومفاهيم التمدن والحداثة
والمعاصرة، وهناك من يصفها بأنها ضغينة وثأر
وانتقام وتشف تنفذه الدولة ضد الجاني بدلاً من أن
تقوم بتحليل وفهم الأسباب العميقة للجريمة،
ومكافحتها والسيطرة عليها والإصلاح الاجتماعي
الفعال.
4- عقوبة الإعدام، وعبر تاريخها الطويل، لم تطل
المجرمين أكثر ما طالت أصحاب الرأي وعشاق الحرية
والمدافعين عن الحقوق والمعارضين للفساد
والمقارعين للاستبداد.. ولعل الشواهد في ذلك كثيرة
لمن يتأمل صفحات التاريخ حيث تتكشف له فداحة عقوبة
الإعدام، وكيف أنها سلبت حياة كثير من العباقرة
والعلماء والمفكرين والفلاسفة دون وجه حق، وحرمت
البشرية من إبداعاتهم المعطاءة وفكرهم الغزير..
5- مفاهيم العدالة ليست ثابتة أو جامدة، بل قد
تتغير من بلد إلى آخر ومن عصر إلى عصر، وما يعتبر
جريمة في بلد ما وعصر ما قد لا يعتبر كذلك في بلد
وعصر آخر. وهذا يجعل الأحوط للعدالة أن تستبدل
عقوبة الإعدام بغيرها أو بما دونها حسبما يفيد بعض
خبراء القانون والاجتماع..
6- أكثر الأشخاص الذين يقعون فريسة عقوبة الإعدام
ليسوا الأغنياء أو أصحاب النفوذ والسلطة والقبيلة،
وإنما الفقراء والمعدمون الذين لم يجدوا من
يساعدهم ولم يتمكنوا من دفع أتعاب المحامي أو
إجراء الصلح القبلي..
7- جرائم الإرهاب والجرائم التي ترتكب تحت تأثير
سطوة المعتقد والإيديولوجيات لا تردعها عقوبة
الإعدام أو التهديد بعقوبة الموت؛ لأن عقوبة
الإعدام يعتبرها الفاعل من هؤلاء شهادة ووسام شرف،
كما يعتبر الموت بوابة الدخول إلى جنة الخلد
والنعيم التي طالما حلم بها كثيراً.
من ذلك نخلص إلى أن البحث في وسائل وأساليب العقاب
إلى جانب الاهتمام بإجراءات سير التقاضي وتحديثها
بات أمراً أكثر إلحاحاً اليوم في ظل توافر
المعطيات التقنية المساعدة للجهد البشري بدلاً من
الاستمرار في اجترار قانون الماضي وثقافته ، ويكفي
أن ندرك إن الأمر يتعلق بحياة إنسان وعقوبة غير
قابلة للاستدراك... |