الرئيسيةأخبارندوات ومؤتمراتتقارير ودراساتأهدافنا مواقع مفيدةمن نحناتصل بنا

الإعدام في لبنان بين الواقع والمرتجى

مقدمة:

تشكل عقوبة الإعدام انتهاكاً واضحاً لحقوق الإنسان، وتحديداً الحق بالحياة كما نصّت عليه المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان([1])، والمادة الأولى من البروتوكول الثاني الاختياري المتعلق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية([2]). ويعتبر حكم الإعدام والفترة الممتدة ما بين صدوره وتنفيذه نوعاً من أنواع التعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية التي نصت عليها اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وهذا ما قضت به المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية "سورينغ"([3]) إذ اعتبرت أن تعريض المحكوم لمدة انتظار طويلة تمتد بين الحكم بالإعدام وتنفيذه يشكل نوعاً من أنواع التعذيب.

تطرح عقوبة الإعدام مسألة قدسية الحياة الإنسانية ووظيفة العقوبة اجتماعياً، وهي تشكل دليلاً على مستوى تقدم وتطور المجتمعات التي تطبقها. ومستوى التقدم هذا لا يرتبط بالنصوص والتشريعات فقط بل بكيفية تفسيرها وتطبيقها. هذا الأمر يؤكّده اختلاف المواقف من هذه العقوبة بين المجتمعات المتشابهة، فالدولة الفرنسية ألغتها عام 1981 في حين ما تزال الولايات المتحدة تطبقها، والسنغال ألغتها عام 2004 في وقت ما تزال فيه مصر تطبقها. وتعكس عقوبة الإعدام، كالقوانين بشكلٍ عام، التركيبة المجتمعية والمناخ السياسي العام في الدول التي تلتزم بها. من هنا تأتي أهمية دراسة هذه العوامل عند مقاربة هذه العقوبة بهدف إلغائها.

يتناول هذا البحث عقوبة الإعدام في لبنان وإمكانية إلغائها، وستتم معالجة هذا الموضوع من خلال المقاربة التالية:

القسم الأوّل: الواقع الاجتماعي اللبناني

        الفقرة الأولى: الواقع الاجتماعي وعقوبة الإعدام

        الفقرة الثانية: الواقع الديني وعقوبة الإعدام

القسم الثاني: واقع التشريع اللبناني

        الفقرة الأولى: عقوبة الإعدام في القانون الجزائي اللبناني

        الفقرة الثانية: واقع الحال في لبنان

القسم الثالث: نحو إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان

        الفقرة الأولى: الخطوات الأكاديمية نحو إلغاء عقوبة الإعدام

        الفقرة الثانية: الخطوات التطبيقية نحو إلغاء عقوبة الإعدام

 

القسم الأول: الواقع الاجتماعي

يتكوّن المجتمع اللبناني من مجموعات دينية وثقافية تتميّز عن بعضها البعض بالعادات والتقاليد. وينتج عن هذه التعددية اختلاف وتلاقي هذه المجموعات حول الأمور العامة والتفصيلية استناداً إلى سلم القيم الخاص بكلٍ منها، الذي يخضع لعاملين أساسيين هما النظام الاجتماعي، والدين. ويلعب هذا العامل الأخير دوراً مهماً في مجتمعٍ لا تتحق فيه هوية الفرد وذاتيته إلاّ من خلال انتمائه الطائفي، وحيث يُنظر إلى الكثير من المواضيع وتبنى القناعات والقرارات على خلفيات دينية.

الفقرة الأولى: الواقع الاجتماعي وعقوبة الإعدام

تنتظم المجموعات المكونة للمجتمع اللبناني في نظام اجتماعي إقطاعي أو عشائري. وتختلف مظاهر الالتزام بهذين النمطين من نظام إلى آخر. ففي حين تكاد مظاهر النظام الإقطاعي أن تكون شبه منتفية، فإن آثاره ما تزال موجودة في اللاوعي العام، ويمكن استشفافها من علاقات الأفراد مع بعضهم البعض. فالشيخ أو البيك ما يزال يمتلك سلطة معنوية على أتباعه، تجعل من آرائه مرجعية لهم، وتؤدي إلى غياب التحفظات أو الانتقادات على أفعاله.  أما خصائص النمط العشائري فهي أكثر بروزاً، حيث ما تزال الكثير من المجتمعات تطبق الامتيازات الناشئة عن الهرمية العشائرية، وتلتزم بمفهوم العصبية وقربة الدم وغيرها من المظاهر. ويمتاز هذان النمطان بعقلية الأخذ بالثأر للتعويض عن الضرر اللاحق؛ الأمر الذي يجعل القتل في حالات معينة كجرائم الشرف وأخذ الثأر عن طريق القتل أمراً مقبولاً، أو حتى يجعل من هذه الحالات سبباً مخففاً لها([4]).

الفقرة الثانية: الواقع  الديني وعقوبة الإعدام

تتوزع المذاهب الدينية في لبنان على طائفتين، المسيحية والإسلام، ينتمي المسيحيون إلى الكنائس التالية: المارونية، الروم الأرثوذكس، الروم الكاثوليك، الأرمن الأرثوذكس، الأرمن الكاثوليك، السريانية، اللاتينية، الإنجيلية، الكلدانية، الأشورية. أما المسلمون فينتمون إلى الطوائف السنية، الشيعية، الدرزية، العلوية والإسماعيلية. ولا يزال القانون اللبناني يعترف بالطائفة اليهودية بالرغم من وجود عدد ضئيل من أتباعها حالياً في لبنان([5]). وبالرغم من الاختلاف في بعض التفاصيل بين مذاهب الطائفة الواحدة، فإنها تلتقي على المبادئ العامة، ومنها موقفها من الحياة الإنسانية. ينتج عن ذلك موقفان، مسيحي وإسلامي، من عقوبة الإعدام.

أ. الموقف المسيحي من عقوبة الإعدام

تتخذ الكنيسة موقفاً مبدئياً مناهضاً للإعدام، وقد شارك الفاتيكان في "المؤتمر العالمي الأول المناهض لعقوبة الإعدام" في مدينة ستراسبورغ في فرنسا عام 2001. وعكست هذه المشاركة التطور الجذري الحاصل في موقف الكنيسة الكاثوليكية من هذه العقوبة. فالأسباب التي كانت تجعل الكنيسة تقبل بها، وبحالات شديدة الخطورة، أصبحت اليوم غير موجودة([6]). لا يوجد للطائفة الأرثوذكسية موقف رسمي من عقوبة الإعدام. إلاّ أن بطريرك الكنيسة الروسية ألكسي الثاني، وهي أكبر الكنائس الأرثوذكسية، عبر باقتضاب بليغ عن موقف كنيسته من الإعدام إذ قال "الإعدام قتل عمد والكنيسة ضده".

يستند موقف الكنيسة إلى الاعتبارات التالية

-       الإيمان بأن الإنسان مكوّن على صورة الله ومثاله([7])(Imago Dei) وفيه قبسٌ من روحه([8]). ينتج عن ذلك تمتع الإنسان بكرامة فريدة وجوهرية لا يجوز نزعها لأي سبب  خارجياً كان، أو اجتماعياً أو شخصياً، أولأي عمل يقترفه.

-       الإيمان بأن إمكانية توبة الإنسان وخلاصه قائمة حتى اللحظة الأخيرة من حياته([9]).

ب. الموقف الإسلامي من عقوبة الإعدام

يكرّم الإسلام الإنسان ويوليه أعلى المرتبات بين المخلوقات حسبما ورد في القرآن([10]). غير أن الديانة الإسلامية تجيز الإعدام في (3) حالات حصراً هي النفس بالنفس، الردة بعد إيمان، وزنى المتزوّج. وقد أعادت تأكيد هذا الموقف كل الوثائق الإسلامية المرتبطة بحقوق الإنسان. فالمادة الثانية من إعلان القاهرة عن حقوق الإنسان في الإسلام نصت على أن "الحياة هبة من الله، وهي مكفولة لكل إنسان وعلى الأفراد والمجتمعات والدول حماية هذا الحق من كل اعتداء عليه. ولا يجوز إزهاق الروح دون مقتضى شرعي". كذلك نص البيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام تحت فقرة "الحق بالحياة" على أن "حياة الإنسان مقدسة... لا يجوز أن يعتدى عليها: "من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً" (المائدة:32)... "ولا تسلب هذه القدسية إلاّ بسلطان الشريعة وللإجراءات التي تقررها".

في مقابل التفسير والتطبيق الحرفي للنص برز تيار ليبرالي في الإسلام ينادي بمقاربة أكثر مرونة تجد أساسها في الفلسفة الدينية القائلة بثنائية الأبعاد في العلاقات: البعد العامودي الذي يرمز إلى علاقة الإنسان بالله، والبعد الأفقي الذي يمثل علاقة الإنسان بالإنسان. وتتصف العلاقة العامودية بثبات الأحكام التي تنظمها وشدة الإلتزام بها،  أما الأحكام التي ترعى العلاقة الأفقية بين البشر فتحتمل التأويل أو التعديل أو حتى التعليق([11]). ويستند هذا الموقف إلى مجلة الأحكام العدلية العثمانية -المجلّة- التي صدرت خلال المرحلة العثمانية حيث كان السلطان خليفة المسلمين. فالمجلة اعتمدت ضمن أحكامها القانونية الأساسية المبدأ القائل "لا ينكر تبدل الأحكام بتبدل الأزمان". وقد أخذ العديد من رجال الدين والمفكرين المسلمين([12]) بهذا المبدأ لتفسير عدد من الآيات منها الآية الرابعة من سورة النساء التي تتناول حالة الردّة بعد إيمان([13]).

بعيداً عن الدين، ينظر البعض إلى الحياة نظرة فلسفية بحتة تقوم على التمييز بين جوهر الإنسان والصُدَف التي يتعرّض لها. فالجوهر هو كرامة الإنسان وذاتيّته، وهو عنصر ثابت يتشارك فيه كل البشر. أما الصدفة فهي ما يميّز الشخص عن غيره مثل: اللون، والدين، والجنس... وهي عنصر متحوّل لا تأثير له على الجوهر. بالتالي فإن الجوهر يفوق الصدفة أهمية ولا يجوز التضحية بالجوهر بسبب الصدفة. فتحوّل الإنسان من مواطن صالح إلى مواطن يخالف القوانين لا يُنقص من جوهره أو كرامته. من هنا رفض عقوبة الإعدام لأنها تشكّل تضحية "بالجوهر-المشترك الإنساني"  بسبب صُدفةٍ اجتماعية هي الإخلال بالقوانين وإن كان جسيماً.

القسم الثاني: واقع التشريع اللبناني

يعود التشريع اللبناني في أصوله إلى التشريع الفرنسي، بحيث تتخطى بعض النصوص وجه التشابه فيما بينها لتصل إلى حد النقل الحرفي عن النص الفرنسي. غير أن ذلك لم يمنع القانون الجزائي اللبناني من اكتساب طابعه الخاص الذي يعكس حالة المجتمع في لبنان. من جهة أخرى، لا بد من الإشارة إلى انضمام الدولة اللبنانية إلى عدد من المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بموضوع إلغاء عقوبة الإعدام، الأمر الذي يترتب عليها موجبات محددة تجاه المجتمع الدولي، ستُبحث في نهاية الفقرة الأولى من هذا القسم.

الفقرة الأولى: عقوبة الإعدام في القانون الجزائي اللبناني

يقضي القانون الجزائي اللبناني بالإعدام للجرائم المرتكبة على أمن الدولة الخارجي
(م 273) التي تشمل: التآمر لصالح دولة أجنبية بقصد الاعتداء على لبنان (م 274)، مساعدة قوات العدو للفوز (م 275)، إلحاق الضرر بالمنشآت العسكرية والمدنية في وقت الحرب بقصد شل الدفاع الوطني (م 276).

 كذلك تنزل عقوبة الإعدام بمحاولات الاعتداء الرامية إلى إثارة النعرات الطائفية والحرب الأهلية (م2 من قانون 11/1/58) وترؤس عصابة مسلحة بقصد اجتياح مدينة أو أملاك الدولة أو ضد القوة العامة العاملة ضد مرتكبي هذه الجنايات (م3 من قانون 11/1/58).

بالإضافة إلى ذلك، تنص المادة 549 من قانون العقوبات اللبناني على إنزال عقوبة الإعدام بمرتكبي جرائم القتل قصداً إذا ارتكبت عمداً أو تمهيداً لجناية أو جنحة أو تنفيذاً لها، أو تسهيلاً  لفرار المحرضين أو الفاعلين أو المتدخلين، أو لوقوعها على أحد الأصول أو الفروع، أو لاقترانها بأعمال التعذيب والشراسة، أو لحصولها على الموظف، أو بسبب الانتماء الطائفي، أو ثأراً لجناية ارتكبها غير المجنى عليه من طائفته أو من أقربائه أو محازبيه، أو باستعمال المواد المتفجرة، أو بقصد التهرب من جناية أو جنحة أو لإخفاء معالمها.

كذلك تقضي المادة 640 من قانون العقوبات بعقوبة الإعدام خارج إطار الظروف المشددة أو دون توافر نية القتل ولو قصداً، لمن يقدم على قتل إنسان لسبب ذي صلة بجرم تسهيل السرقة أو الهروب بعد ارتكابها أو إذا وقعت ليلاً. أو إذا حصل موت إنسان من الرعب بسبب جرم آخر (م 642)، أو إذا حصل الفعل على سفينة أو على طائرة (م 643).

لثقافة رئيس الجمهورية في لبنان وغرفه من الثقافة الغربية تأثيرها على تنفيذ عقوبة الإعدام التي تشترط توقيعه لتنفيذها. لم ينفذ حكم إعدام واحد طوال عهد الرئيس شارل حلو، وهو أكثر من تعاقب من الرؤساء ثقافة؛ بينما ازدهرت ازدهاراً كبيراً في عهدي الرئيس إلياس الهرواي – أقل الرؤساء علماً وثقافةً، والرئيس إميل لحود قائد الجيش قبل انتخابه رئيساً. لا شك أن القيم السورية أثناء الاحتلال شجعت الأخيرين على الإسراف بتنفيذ أحكام الإعدام. ففي 21 آذار 1994 أقر مجلس النواب اللبناني القانون رقم 302/94([14]) وأعلن رئيس الجمهورية في حينها إلياس الهراوي أن "عهد المشانق قد بدأ"([15]). وقضى القانون في مادته الثانية بأن "يعلق مؤقتاً تطبيق أحكام المادتين 547 و548 من قانون العقوبات([16]) وتنزل عقوبة الإعدام بمن يقتل إنساناً قصداً". كما نص في المادة الثالثة على عدم جواز "منح فاعل الجريمة المنصوص عليها في المادتين السابقتين وفي المادة 549 من قانون العقوبات الأسباب المخففة". لقد أعاد القانون 302/94 إحياء "قانون إعدام القاتل"([17]) بعد أن وسع أحكامه إذ قضى بتطبيق عقوبة الإعدام على جرائم القتل القصدي وجرائم القتل بدافع سياسي، دون الأخذ بأحكام المادة 198 من القانون الجزائي اللبناني التي تنص على ما يلي:

"إذا تحقق القاضي أن للجريمة طابعاً سياسياً قضى بالعقوبات التالية:

الاعتقال المؤبد بدلاً من الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة.

الاعتقال المؤقت أو الإبعاد أو الإقامة الجبرية الجنائية أو التجريد المدني بدلاً من الأشغال الشاقة المؤقتة.

الحبس البسيط أو الإقامة الجبرية الجناحية بدلاً من الحبس مع التشغيل.

ولا تطبق هذه الأحكام على الجرائم الواقعة على أمن الدولة".

تضمّن هذا القانون عدة عيوب ومخالفات لمبادئ أساسية في القانون الجزائي

أوّلاً: مخالفته الواضحة للمادة 560 من قانون العقوبات اللبنانية التي تنص على ما يلي: "إذا وقع قتل أو إيذاء شخص أثناء مشاجرة اشترك فيها جماعة ولم تمكن معرفة الفاعل بالذات، عوقب جميع من حاولوا الإيقاع بالمجني عليه بعقوبة الجريمة المقترفة بعد تخفيض العقوبة حتى نصفها...". وقد جاءت المادة الثالثة من القانون 302/94 تحصر العقوبة، وهي الإعدام في حالتنا، بالفاعل دون سواه دون تبيان إمكانية امتداد العقوبة إلى الشريك، المحرض أو المتدخل. وهنا تجدر الإشارة إلى وضوح نص القانون الصادر في 11 كانون الثاني سنة 1958 المعروف بـ "قانون إعدام القاتل" حول هذه النقطة، إذ قضت المادة الرابعة منه على أن "يعاقب بالإعدام المشتركون في عصابة مسلحة ألفت بقصد ارتكاب إحدى الجنايات المنصوص عليها في المادتين السابقتين. غير أنه يعفى من العقوبة من لم يتول منهم في العصابة وظيفة أو مهمة ولم يقبض عليه في أماكن الفتنة واستسلم بسلاحه دون مقاومة وقبل صدور الحكم".

ثانياً: في القانون الجزائي مبدأ أساسي هو فردية العقوبة، يقضي بإنزال العقوبة بالفاعل وليس بالجرم. يستوجب ذلك النظر إلى كل حالة على حدة مع مجموعة المعطيات الخاصة بها كشخصية الفاعل والعناصر المكونة لها، وظروفه النفسية والاجتماعية والتربوية، ونسبة خطورته الإجرامية وغيرها من الأمور. ويشكل القانون 302/94 مخالفة واضحة لهذا المبدأ إذ يسقط كل التفاصيل المذكورة كون العقوبة مقررة سلفاً.

ثالثاً: في القانون 302/94 تعدٍ صريح على صلاحية القاضي الجزائي بتطبيق الأسباب التخفيفية أو المشددة وعلى حقه باختيار العقوبة بين حديها الأقصى والأدنى. كذلك يلغي هذا القانون نظام الاقتناع الشخصي للقاضي (Le Principe de l’Intime Conviction du Juge). ([18])

هذا الوضع دفع برئيس محكمة جنايات جبل لبنان القاضي جوزيف غمرون إلى التعليق على القانون رقم 302 خلال محاضرة ألقاها في نقابة المحامين بالقول إن القانون المذكور يلزم القضاة الجنائيين "السير في العقوبة القصوى وفق ما نص عليه القانون المذكور، مهما كانت النتائج... ما دامت النتيجة واحدة عند ثبوت جرم القتل قصداً أو عمداً، وهي إنزال عقوبة الإعدام بالفاعل...".

إلى جانب هذه المخالفات، يشكل القانون 302/94 مخالفةً واضحة للموجبات المترتبة على لبنان جراء انضمامه إلى عدد من الاتفاقيات الدولية التي تنص على إلغاء عقوبة الإعدام. وتتمثل هذه المخالفات بعدم تعديل القوانين ذات الصلة بما يتوافق مع مضمون الاتفاقيات التالية:

أ‌.             يتبنى الدستور اللبناني في مقدمته الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص في مادته الثالثة على حق كل فرد في الحياة والحرية وسلامة شخصه. ([19])

ب‌.        في 3 تشرين الثاني 1972 انضم لبنان إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية الذي ينص في المادة 6 من القسم الثالث على ما يلي:

1.     لكل إنسان الحق الطبيعي في الحياة، ويحمي القانون هذا الحق. لا يجوز حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي.

2.     في البلاد التي لم تلغ فيها عقوبة الإعدام بعد، يجوز تنفيذ هذا الحكم بالنسبة للجرائم الأشد خطورة فقط وذلك طبقاً لأحكام القانون المعمول به في وقت ارتكاب الجريمة وليس خلافاً لنصوص هذا العهد والاتفاق الخاص بالحماية من جريمة إبادة الجنس والعقاب عليها، ولا يجوز تنفيذ هذه العقوبة إلا بعد صدور حكم نهائي صادر من محكمة مختصة.

3.     حين يكون الحرمان من الحياة جريمة من جرائم الإبادة الجماعية، يكون من المفهوم بداهة أنه ليس في هذه المادة أي نص يجيز لأية دولة طرف في هذا العهد أن تعفي نفسها على أية صورة من أي التزام يكون مترتبًا عليها بمقتضى أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

4.     لكل من صدر عليه حكم الإعدام الحق في طلب العفو أو تخفيف الحكم. ويجوز منح العفو أو تخفيف حكم الإعدام في كافة الأحوال.

5.     لا تصدر أحكام الإعدام على مرتكبي الجرائم ممن تقل أعمارهم عن ثمانية عشر عاماً كما لا يجوز تنفيذه على المرأة الحامل.

6.     لا تنص هذه المادة على ما يمكن لأية دولة من الدول الأطراف في هذا العهد أن تستند إليه لتأجيل إلغاء عقوبة الإعدام أو الحيلولة دون ذلك الإلغاء".

وتجدر الإشارة إلى ملاحظات لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، حول تقرير لبنان المرفوع إليها عام 1997 حيث ورد في الفقرة 20 من الملاحظات: "وتشعر اللجنة ببالغ القلق لتوسيع الحكومة عدد الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام، وهو أمر لا يتفق مع المادة 6 من العهد الخاص إذا ما وضع في الاعتبار أن هذه المادة تحد من الظروف التي يمكن أن تفرض فيها عقوبة الإعدام، وتنص على وجوب استعراض هذه الظروف باستمرار بهدف إلغاء عقوبة الإعدام".([20])  

 أما بالنسبة إلى البروتوكول الثاني الاختياري لهذا العهد الذي دخل حيّز التطبيق في 11 تموز 1991 فإن لبنان لم ينضم بعد إليه. وينص البروتوكول في مادته الأولى على أنه "لن يعدم أحد ممن يخضع لسلطة الدول الأطراف في هذا البروتوكول".

هذه المخالفات والاعتراضات عليها وجدت طريقها إلى حملات المجتمع المدني والحقوقي المناهضة لعقوبة الإعدام والمطالبة بإلغائها، وقد أدت إلى إلغاء القانون 302/94 في عام 2001.

الفقرة الثانية: واقع الحال في لبنان

تلازمت قوانين الإعدام والتعديلات المتعلقة بها، أو تلت، اضطرابات أمنية شهدها لبنان، وقد أرادها المشترع رادعاً لعدم تكرار هذه الظروف. فالقانون المعروف بـ "قانون إعدام القاتل" صدر إثر أحداث 1958 حيث شهد لبنان انقساما طائفياً مسلحاً. وتعديل المادة 548([21]) من قانون العقوبات عام 1983 جاء بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ومع بداية حرب الجبل في أيلول 1983 التي شهدت أكثر الأعمال ترويعاً. أما القانون 302/94 فقد صدر بعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان عام 1990 وكان الهدف منه الحؤول دون التصفيات السياسية وغيرها وفرض هيبة الدولة، نظراً للحالة التي كانت سائدة قبل ذلك من تعدد التنظيمات والميليشيات المسلحة. غير أن تلاحق الأحداث أظهر فشل هذه القوانين في تحقيق الغاية التي أقرت لأجلها بالرغم من تنفيذ 53 حكم إعدام منذ الاستقلال هي التالية: 19 حكم إعدام في عهد الرئيس بشاره الخوري؛ 5 أحكام في عهد الرئيس كميل شمعون؛ 6 أحكام في عهد الرئيس فؤاد شهاب؛ 4 أحكام في عهد الرئيس سليمان فرنجية؛ حكم واحد في عهد الرئيس أمين الجميل. أما عهد الرئيس الياس الهرواي فقد سجل ثاني أكبر نسبة إعدامات (14 حكم إعدام) بعد عهد بشاره الخوري. أما العهد الحالي، فقد شهد تنفيذ 3 أحكام إعدام.

 وقد تبين أن تطبيق النصوص التي قضت بهذه العقوبة لاسيما القانون رقم 302/94 كانت خاضعة لمزاجية السلطة التي طبقتها بشكل استنسابي. فمعيار التحرك ضد مرتكبي الجرائم وملاحقتهم كان المكسب السياسي لهذه السلطة، بما يمثله تنفيذ الإعدام من نصر سياسي لها. كما تبيين أن الهدف من تطبيق هذه العقوبة لم يكن التعويض على أهل الضحية - بحسب العقلية السائدة - بقدر ما كان سياسياً؛ أي إظهار هيبة الدولة. إلى ذلك وجد التوازن الطائفي طريقه إلى تنفيذ عقوبة الإعدام. ففي عام 2004 صدرت أحكام إعدام بمسلمين هما أحمد منصور(شيعي) وبديع حماده (سني). لم تنفذ هذه العقوبة إلا بعد صدور أحكام إعدام بمسيحيين تبيين أن أحدهما كان قد توفي في السجن، وتم تنفيذ الحكم بالثاني هو أنطوان ريمي زعتر.

لقد ساهمت موجة الإعدامات خلال التسعينيات، التي نفذ بعضها في الساحات العامة([22])، كما كان يجري في القرون الوسطى، إلى إطلاق حركة مناهضة لهذه العقوبة على مستوى المجتمعين المدني والحقوقي. فقد أدانت العديد من المنظمات الأهلية تطبيق هذه العقوبة، وطالبت بإلغائها عبر إقامة حلقات أكاديمية ودراسات قانونية وورشات عمل([23])، كان أبرزها "الحملة الوطنية من أجل إلغاء الإعدام في لبنان" التي أطلقت في عام 2005. إلى ذلك قدُمت العديد من الاقتراحات القانونية الرامية إلى إلغاء هذه العقوبة، نذكر منها مشروع القانون الذي تقدم به النائب صلاح حنين، ونص على إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالسجن المؤبد([24])، والاقتراح الذي تقدم به النائب بطرس حرب بالإبقاء على العقوبة للجرائم الخطرة فقط. وتلا هذه المحاولات اقتراح قانون صدر عن لجنة الإدارة والعدل في البرلمان اللبناني في أيار 2001، ونص على "اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء القانون رقم تاريخ 21/3/1994. درس وتقرر إرجاء البت به لحين إعادة صياغة أسبابه الموجبة... "([25]). وجد هذا الاقتراح طريقه إلى مجلس النواب الذي أقره قانوناً تحت الرقم 338 في تموز 2001 الذي أعاد للقاضي الحق بإعطاء الأسباب التخفيفية وأعاد العمل بأحكام المواد 198 و547 و548 من قانون العقوبات. وقد اعتبر البعض أن إلغاء القانون 302/94 واستبداله بالقانون 338/2001 يشكل خطوة إيجابية نحو إلغاء عقوبة الإعدام([26]). إلاّ أن هذا القانون لم يلحظ أوضاع المحكومين بالإعدام الذين لم تنفذ العقوبة في حقهم بعد، وبالتالي لا مفعول رجعي له. غير أن العفو عن هؤلاء يبقى منوطاً برئيس الجمهورية صاحب الحق، بحكم القانون، في منح المحكومين عفواً أو تخفيضاً.

إلى جانب المنظمات الأهلية، لعب الجسم القضائي اللبناني دوراً مهماً في انتزاع هذا القانون، وهذا ما أكده بعض القانونيين وأعضاء لجنة الإدارة والعدل. فنقيب المحامين آنذاك ميشال ليان صرّح أن الإلغاء "كان مطلب نقابة المحامين منذ أكثر من عامين، لأن الظرف الاستثنائي الذي فرض هذا القانون زال، والغاية الآن هي إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل صدور هذا القانون وإعادة الاعتبار إلى القضاء لناحية الأسباب التقديرية وإعطاء القاضي حق تقدير الظروف المحيطة بكل جريمة". أما عضو لجنة الإدارة والعدل النائب السابق مخايل الضاهر فقد أعلن بأنه "لم يكلمنا أحد من السياسيين في هذا الموضوع، بل إن من كلمنا هم القضاة الذين وجدوا أنفسهم مرتبكين لعدم تعودهم الحكم على جريمة القتل القصدي بالإعدام وبالتالي لم يكن في استطاعتهم ذلك. في الحقيقة كان الضغط علينا من المحاكم أكثر من كل جهة أخرى". وهذا ما أكده سمير الجسر، وزير العدل آنذاك، في معرض تعليقه على هذه الخطوة، غير أنه أعلن عدم تأييده لإلغاء عقوبة الإعدام بشكل تام؛ لأنها تشكل رادعاً للمجرمين. واعتبر أن "الكلام الذي يشير إلى الإحصاءات التي أجريت وتدل على أن عقوبة الإعدام لم تمنع الجريمة ليس دقيقاً، لان مجتمعاً عشائرياً كالمجتمع اللبناني تقف فيه عقوبة الإعدام حائلاً دون تمادي الجرائم الثأرية التي لا تنتهي... لذلك نحن نرى أن الوسيلة الوحيدة للحؤول دون تمادي عمليات الثأر والثأر المضاد أو التخفيف منها في شكل كبير جداً هي عقوبة  الإعدام".

من جهةٍ أخرى، كان لافتاً موقف رئيس الوزراء سليم الحص عام 2000 حين رفض توقيع مرسومي إعدام بشخصين انسجاماً مع قناعاته الشخصية، إذ اعتبر أن الله معطي الحياة له وحده الحق باستردادها. وكان قد سبق هذا الموقف موقف مشابه للرئيس شارل حلو (1964-1970) وقد علل حلو قراره بالقول "هذا اقتناعي وأعمل بموجبه وضميري مرتاح لأني لا أريد أن يسجل في خانتي حدوث أي حكم بالاعدام؛ لأن ذلك معناه قتل قاتل، وضميري منعني من ذلك"([27]).  هذا، وأعادت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي دخلت حيّز التنفيذ في 10 حزيران 2007 موضوع عقوبة الإعدام إلى طاولة البحث، كون نظامها يتبنى قانون العقوبات اللبناني فيما يخص جرائم الإرهاب التي تصل عقوبتها إلى الإعدام. وتكمن المشكلة في أن القانون الدولي والمحاكم الدولية لا تأخذ بهذه العقوبة، الأمر الذي يستوجب تعديل النص الجزائي. وهذا ما أكده رئيس الوزراء اللبناني الحالي فؤاد السنيورة، إذ أعلن عن استعداد لبنان لإلغاء عقوبة الإعدام كي تتناسب قوانينه والأصول الخاصة بالمحكمة الدولية المذكورة([28]).

القسم الثالث: نحو إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان

يتطلب العمل الجدي لإلغاء عقوبة الإعدام في لبنان اعتماد استراتيجية تأخذ بالاعتبار حيثيات الواقع الاجتماعي والقانوني في لبنان. وتقتضي هذه الاستراتيجية من جهة اعتماد خطوات تهدف إلى تطوير مقاربة المجتمع لمفهوم عقوبة الإعدام عن طريق إظهار الحجج المؤيدة لها وعدم فعاليتها؛ ومن جهة أخرى تحقيق الإلغاء الكلي لهذه العقوبة.

الفقرة الأولى: الخطوات الأكاديمية نحو إلغاء عقوبة الإعدام

تتضمن القيام بمجموعة دراسات تعالج المواضيع التالية:

أ- دراسة قانونية حول التزامات لبنان الناشئة عن انضمامه إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بإلغاء عقوبة الإعدام والمذكورة أعلاه، يكون الهدف منها إظهار أشكال عدم الالتزام بالموجبات واقتراح الخطوات العملية  المناسبة لتحقيقها.

ب- دراسة اجتماعية حول مدى فعالية عقوبة الإعدام في ردع المجرمين وخفض مستوى الإجرام في لبنان. فالدراسات التي أجريت في مختلف دول العالم أظهرت عدم فعالية عقوبة الإعدام في تحقيق هذه الغاية لعدة أسباب: حين يخطط المجرم لارتكاب جريمته فإنه يتوقع دوماً الإفلات من العقاب. لذلك فإن هذا الأخير أيّاً كان قدره أو طبيعته لن يردعه. من جهة أخرى تلغي عقوبة الإعدام الغاية المرجوة منها أي ردع المجرمين عن ارتكاب الجرائم مستقبلياً، كون الشخص مرتكب الجريمة يكون قد أعدم ولا مجال بعد ذلك للحديث عن ردعه في المستقبل. أما بالنسبة إلى ردع المجتمع فقد أشارت عدة دراسات أجريت في دول ومجتمعات مختلفة إلى فشل عقوبة الإعدام في ردع المجتمع عن ارتكاب الجرائم. كما أظهرت هذه الدراسات أن الدول التي لا تعتمد الإعدام تقل فيها نسبة الجرائم عن الدول التي تعتمده:

ففي مقارنة حول نسبة الجرائم المرتكبة في كندا قبل وبعد إلغاء عقوبة الإعدام فيها عام 1976، تبين أن 554 جريمة وقعت عام 2001 مقابل 721 عام 1975؛ أي بنسبة 23% أقل([29]). وفي مقارنة أجريت عام 1999 بين كندا والولايات المتحدة التي تطبق عقوبة الإعدام في معظم ولاياتها، تبين أن 5.7 جريمة على نسبة  000 100 مواطن ارتكبت في الولايات المتحدة حيث نفذت 98 عملية إعدام، مقابل 1.8 جريمة على نسبة 000 100 مواطن حيث لا تطبق عقوبة الإعدام([30]). وفي الولايات المتحدة نفسها، أظهرت إحصائيات عام 2005 أن نسبة الجرائم في الولايات التي تطبق عقوبة الإعدام بلغت 5.87 على مئة ألف مواطن، مقابل 4.02 على النسبة عينها في الولايات التي لا تعتمد هذه العقوبة([31]). إلى ذلك أظهرت العديد من الدراسات أن لا رابط  بين عقوبة الإعدام باعتبارها رادعاً وبين نسبة الجرائم المرتكبة. ([32]) هذا وتصب العديد من استطلاعات الرأي في الاتجاه نفسه: فاستطلاعات الجمعية الأميركية للعلوم الجنائية (ASC)، وأكاديمية علوم العدالة الجزائية (ACJS) وجمعية القانون والمجتمع (LSA) أظهرت أن 84% من مجمل الأشخاص المستطلعين يعتبرون أن الإعدام لا يردع المجرمين، وأن 93% يعتبرون أن الإعدام كرادع ليس أقوى من عقوبة السجن مدى الحياة.

ج- دراسة قانونية حول الأخطاء القضائية، عدم احترام أصول حق الدفاع وضمانات المتهم واستنفاد جميع وسائل المراجعة القضائية، والحالات التي أسفرت فيها عن إنزال عقوبة الإعدام أو حتى طلبها لأشخاص بريئين (حالة أنطوانيت شاهين التي طلب لها الإعدام أمام محكمتي البداية والاستنئناف وأصدرت محكمة التمييز اللبنانية حكماً بالبراءة). فإذا كان التعويض المادي والمعنوي عن الخطأ القضائي الذي أدى إلى عقوبة السجن ممكناً، ماذا عن الخطأ القضائي الذي يؤدي إلى إنزال عقوبة الإعدام؟ وكانت منظمة العفو الدولية قد أشارت إلى حكم صادر عن محكمة استئناف بريطانية عام 1998 نقض حكم إعدام صدر ونفذ عام 1952 بحق محمود حسين ماتّان (صومالي الجنسية). وقد علق أحد قضاة المحكمة قائلأً بأنه لا يمكن اعتبار عقوبة الإعدام ذروة أو مفخرة النظام القضائي المعرض لارتكاب "الأخطاء البشرية"([33]). كذلك أبدت منظمة العفو الدولية في غير حالة مخاوف جدية حول النقص في الضمانات القضائية في لبنان بشكل عام، وأمام المحكمة العسكرية بشكل خاص، كون معظم قضاتها من ضباط الجيش غير حاملي شهادات القانون، ولأن أحكام هذه المحكمة لا تخضع لطرق المراجعة. وأعلنت المنظمة أنه لا يوجد دليل حسي على تراجع نسب الجرائم بتأثير من عقوبة الإعدام، وأشارت إلى إمكانية ارتكاب الأخطاء القضائية. ([34])

د-  دراسة ذات بعد اجتماعي تنقض مفهوم عقوبة الإعدام كوسيلة تعويض. فالأصل أن يكون التعويض للشخص الذي انتهك حقه إما عن طريق الرد، أو دفع مبلغ من المال. أما في حالة الإعدام فلا مجال للحديث عن التعويض، إذاً كيف يمكن أن تشكل هذه العقوبة تعويضاً للضحية المتوفاة؟ وفي حال اعتبار الإعدام تعويضاً للأهل، هل تعيد هذه العقوبة الميت إلى أهله؟ وإذا كان الهدف من "الإعدام-التعويض" تهدئة العواطف، فإن المجتمع كوحدة كيانية لا عاطفة له، وبالتالي لا قيمة لهكذا تعويض. هذا بالإضافة إلى كون الإعدام يلحق الأذى العاطفي بعائلة الشخص المعدوم، فهل يجوز التعويض عن أذى بأذى آخر؟! من جهة أخرى، تصدر الأحكام في لبنان باسم الشعب اللبناني؛ هل معنى ذلك أن الشعب يقتل؟

هـ- دراسة حول تطور مفهوم العقوبة من مجرد "عقاب" إلى محاولة تأهيل المجرم بهدف إعادة دمجه بالمجتمع، وما تشكله عقوبة الإعدام من إلغاء لهكذا احتمال. 

الفقرة الثانية: الخطوات التطبيقية نحو إلغاء عقوبة الإعدام

لقد شكل إلغاء القانون 302/94 خطوة إيجابية باتجاه الإلغاء الكلي لعقوبة الإعدام. غير أن هذه الخطوة تبقى ناقصة من دون استكمالها بالخطوات اللازمة لتحقيق هذا الهدف. ولعله من المفيد الاطلاع على تجربة إلغاء عقوبة الإعدام في أذربيجان عام 1998 للاستفادة منها. ففي عام 1993 أُوقف العمل بتنفيذ العقوبة بالرغم من استمرار الحكم بها، وتلاها عام 1994 إلغاء هذه العقوبة بحق النساء. أما الدستور الصادر عام 1995 فقد حصر نطاق تطبيق الإعدام بالجرائم الخطرة المرتكبة ضد الدولة وحياة الأشخاص. في عام 1996 ألغيت لمن هم فوق 65 عاماً وخفضت الحالات التي تطبق فيها من 33 إلى 12 حالة. وفي عام 1998 ألغى البرلمان في أذربيجيان عقوبة الإعدام كلياً. وكان عام 2004 قد شهد إلغاء هذه العقوبة، بشكل نهائي، في دول ساموا، والسنغال، وتركيا، في حين أبقت طاجيكيستان على النص مع وقف تنفيذه.

أما في لبنان؛ فإن الخطوات المقترحة هي التالية:

1-   مطالبة الدولة اللبنانية بالانضمام إلى البروتوكول الثاني الاختياري للعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية.

2-   استبدال عقوبة الإعدام المنصوص عليها في مختلف مواد القانون الجزائي اللبناني بعقوبات أخرى، لمن صدرت بحقهم مثل هذه الأحكام.

3-   الإبقاء على العقوبة في النصوص مع وقف تنفيذها، ويعتبر إلغاء القانون 302/94 خطوة إيجابية في هذا الإتجاه، كونها أعادت للقضاة حق الأخذ بالأسباب التخفيفية.

4-   الإلغاء الكلي من النص الجزائي.

تضمن هذه الاستراتيجية نقلة سهلة وغير تصادمية مع المفاهيم الحالية التي تمنع إلغاء عقوبة الإعدام دفعة واحدة، وتقدم في الوقت عينه نموذجاً تثقيفياً. فتحقيق الهدف المنشود وقف على مدى جدية الدراسات المقترحة وقدرتها على تسليط الضوء على فشل عقوبة الإعدام كرادع وحسنات البدائل المقترحة.

خلاصة

لقد قطعت معظم الدول شوطاً كبيراً في مسيرة إلغاء عقوبة الإعدام في خلال قرن ونيف. فمقابل 3 دول لم تكن تطبق هذه العقوبة عام 1889 هي سان مارينو، كوستاريكا، وفنرويلا، بلغ عدد الدول التي لا تطبقه في عام 2006، 128 دولة([35]). بعضها ألغاه من النصوص مثل: كندا (1976)؛ وفرنسا (1981)، والبعض الآخر استبقاها للجرائم الخطرة، أو أبقى على النص دون تطبيقه كدولة طاجيكيتسان. أما في لبنان فقد أدت الفسيفساء الاجتماعية والدينية إلى تعدد المواقف من عقوبة الإعدام، وشكلت، في بعض الأحيان، إطاراً خصباً للقبول بها، بالرغم من ثبوت فشلها في ردع المجرمين.

 لقد شكل إلغاء القانون 302/94 الخطوة الأولى نحو اللحاق بركب الدول التي ألغت عقوبة الإعدام، ولعل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تدفع نحو إلغائها الكلي. هذا الأمر لا يلغي ضرورة تثقيف المجتمع وتطوير نظرته لعقوبة الإعدام التي تبقى مادة خاضعة للتجاذبات ما دامت تطرح من منظور سياسي أو فلسفي أو ديني الذي يشكل بحد ذاته مادة جدلية. من هنا تبرز الحاجة الماسة إلى دراسات قانونية واجتماعية، تظهر بالأدلة العلمية الثابتة عدم فعالية عقوبة الإعدام، وتشكل حجة دامغة لإلغائها.

جدول الإعدامات التـي نفذت في لبنان منذ 1943 إلى 2007

رئيس الجمهورية

رئيس الحكومة

عدد الأحكام المنفذة

بشاره الخوري (1943- 1952)

رياض الصلح

19

 

سامي الصلح

2

كميل شمعون (1952- 1958)

صائب سلام

1

 

عبدالله اليافي

1

 

سامي الصلح

4

فؤاد شهاب (1964- 1970)

رشيد كرامي

2

 

صائب سلام

2

سليمان فرنجية (1970- 1976)

صائب سلام

4

أمين الجميل (1982- 1988)

شفيق الوزان

1

الياس الهراوي (1990- 1998)

رفيق الحريري

14

إميل لحود (1998-      )

رفيق الحريري

3


 

([1]) تنص المادة الثالثة: " لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه".

([2]) نص المادة الأولى: "1-  لن يعدم أحد ممن يخضع لسلطة الدول الأطراف في هذا البروتوكول".

([3])www.ejil.org/journal/Vol4/No3/art3.html

([4]) المادة 562 من قانون العقوبات اللبناني:" يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنى المشهود أو في حالة الجماع غير المشروع فأقدم على قتل أحدهما أو إيذائه بغير عمد".

([5]) يعود السبب في ضآلة المنتمين إلى الطائفة اليهودية إلى انقطاع العلاقات بين الدولتين اللبنانية والإسرائيلية.

([6])رسالة البابا يوحنا بولس الثاني في عام 1995 بعنوان "إنجيل الحياة"

([7]) سفر التكوين 1/26: (وقال الله:" لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا...")؛ و1/27 (فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلق البشر، ذكراً وأنثى خلقهم)

([8]) سفر التكوين 2/7: (وجبل الرب الإله آدم تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياةٍ. فصار آدم نفساً حيّة).

([9]) إنجيل لوقا 23، 39-43:"توبة لص اليمين".

([10]) سورة السجدة 32/9: (ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة)؛  سورة الحجر 15/28: (إذ قال ربك للملائكة: إني خالق بشراً من صلصال وحمأ مسنون. فإن سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون).

([11]) تعليق عمر بن الخطاب قطع الأيدي للسارقين في عام المجاعة الذي حصل أثناء خلافته، الدكتور عبد الحسين شعبان "الإسلام وحقوق الإنسان: المشترك الإنساني للثقافات والحضارات المختلفة"، ص. 39، صادر عن مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني/ لبنان 2001.

([12]) شيخ عبد الرحمن، مولانا عبدالوفاء ثناءالله، محمد ظفرالله خان، سيد بركات أحمد، محمد هاشم كمالي،

Mediterranean Journal Of Human Rights, Vol.9 N.1, 2005, Declan O’Sullivan  “Islam And The Qur’an – A Valid Perspective For Defining ‘Universal’ Human Rights?”
Pp. 185-135.

([13]) سورة النساء 137:4:" إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً".

([14]) مراجعة أحكام هذا القانون في الملحق رقم 2.

([15]) مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني/ لبنان، التقرير السنوي لعام 1994، ملحق رقم 2 ص 77.

([16]) مراجعة الملحق رقم 4

([17]) مراجعة أحكام هذا القانون في الملحق رقم 3.

([18]) مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني/ لبنان، التقرير السنوي لعام 1994، الملحق رقم 2 ص 76-77.

([19]) تنص المادة الثالثة: " لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه".

([20]) ملاحظات ختامية للجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان على التقرير اللبناني الذي رفع إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وفقاً للمادة 40 من الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية، مجلة العدل، صادرة عن نقابة المحامين في بيروت، العدد الخاص بمناسبة الذكرى السنوية الخمسين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ص. 79.

([21]) المادة 548 من قانون العقوبات اللبناني: (3– ألغي هذا البند بموجب المرسوم الاشتراعي 77/110 وأبدل بالنص التالي بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 112 تاريخ 1983/9/16:  بإقدام المجرم على التمثيل بالجثة بعد القتل.

([22]) مثال ذلك قيام السلطات بإعدام  شخصين في ساحة بلدة طبرجا أمام مرأى أهل المنطقة في حزيران 1997.

([23]) حملة مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني لمناهضة عقوبة الإعدام (مؤتمر صحفي لإطلاق الحملة في 7 كانون الثاني 2004)؛  منظمة سوليدا، مؤتمر "حركة حقوق الناس"

 www.solida.org/communiques/com_19012004_en.htm

([24]) وكالة إيلاف للأنباء، العدد 2206 الأربعاء 6 تموز 2007

([25])www.lp.gov.lb/NF%20Archive/Lijan/idara%20w%20adl%202002.htm

([26])Amnesty International AIR2002  Middle East and North Africa

([27]) جريدة الرياض اليومية، الجمعة 16 شباط 2004، العدد رقم 12992، السنة 39.

([28])www.abolition.fr/ecpm/french/news.php?new=496

([29]) المرجع السابق

([30]) المرجع السابق

([31]) المرجع السابق

([32]) “The Deterrent Effect of Capital Punishment: A Question of Life and Death”, Isaac Ehrlich, November, 1973, 1975:

توقع أن يؤدي كل إعدام إلى منع 7 إلى 8 جرائم. وتبيين فشل نظريته

“Deterrence or Brutalization? An Impact Assessment of Oklahoma’s Return to Capital Punishment”, John K. Cochran, Mitchell B. Chamlin, Mark Seth,  Criminology 32 (1), 107–134, Criminology Volume 32 Issue 1 Page 107-134, February 1994:

درس تأثير الإعدام لعام 1990 في ولاية أوكلاهوما

“Effects of an Execution on Homicides in California”, Ernie Thomson, Homicide Studies, Vol. 3, No. 2, 129-150, 1999 SAGE Publications:

درس تأثير الإعدام لعام 1992 في ولاية كاليفورنيا

 “Prison Conditions, Capital Punishment, and Deterrence”, Lawrence Katz, Steven D. Levitt and Ellen Shustorovich, American Law and Economics Review V5 N2 2003 (318-343):

درس تأثير الإعدام في الولايات المتحدة بين عامي 1950 و 1990

 “Capital Punishment and Deterrence: Examining the Effect of Executions on Murder in Texas”, Jon Sorensen, Robert Wrinkle, Victoria Brewer, James Marquart, Crime & Delinquency, Vol. 45, No. 4, 481-493, 1999 SAGE Publications:

درس تأثير الإعدامات ما بين 1984 و1997 في ولاية تكساس

([33]) www.amnesty.org/library/Index/ENGMDE180162000?open&of=ENG-LBN

([34])Amnesty international, AI INDEX: MDE 18/03/00, 21 March 2000

([35])www.thereport.amnesty.org/ara/Facts-and-Figures

أ. ملكار الخوري